فصل: القسم الخامس: في نطاق كل مملكة وما هو مضاف إليها من المدن والقلاع والرساتيق:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التعريف بالمصطلح الشريف



.ثالثا: الهدن:

أما الهدن فاعلم أنها تكون بين ملكين؛ وأكثر ما تكون من ملك الإسلام لملك كافر؛ وتكون إلى أجل معلوم يهادن بها أحدهما الآخر على نفسه، وعساكره، وبلاده، ورعاياه، وما يدخل في دائرته، وينضوي إلى سائرته، أو على شيء يقرر له على ذلك، وإما لا على شيء.
فأما إذا كان من الجانبين فتلك مواصفة؛ وسيأتي، فاعلم ذلك.
فأما الهدنة فسبيل الكتابة فيها بعد البسملة:
(هذا ما هادن عليه، وأجل إليه، مولانا السلطان فلان- خلد الله سلطانه، وشرف به زمانه- الملك فلان الفلاني: هادنه حين ترددت إليه رسله، وتوالت عليه كتبه، وأمله ليمهله، وسأله ليكف عنه أسله، حين أبت صفاحه أن تصفح، وسماء عجاجه بالدماء إلا أن تسفح؛ فرأى- سدد الله آراءه- أن الصلح أصلح، وأن معاملة الله اربح، وهادن هذا الملك (ويسميه) على نفسه وأهله، وولده ونسله، وجميع بلاده، وكل طارفه وتلاده، وماله من ملك ومال، وجهات وأعمال، وعسكر وجنود، وجموع وحشود، ورعايا في مملكته من المقيم والطارئ، والسائر بها والساري، هدنة مدتها لأول تاريخ هذه الساعة الراهنة وما يتلوها مدة كذا وكذا (ولهم عادة أن يحسبوها مدة سنين شمسية فيحرر الكاتب حسابها بالقمرية ويذكر سنين وأشهرا وأياما وساعات حتى يستكمل السنين الشمسية المهادن عليها) يحمل فيها هذا الملك فلان إلى بيت مال المسلمين، وإلى تحت يد مولانا السلطان فلان قسيم أمير المؤمنين، في هذه المدة (ويذكر المقرر ويحرر، ثم يقول:) يقوم به هذا الملك من ماله، ومما يتكفل بجبايته من جزية أهل بلاده وخراج عماله، يقوم به (ثم يذكر أقساطه) قياما لا يحوج معه إلى مطالبه، ولا إلى تناوله بيد مغالبه.
على أن يكف مولانا السلطان عنه بأس بأسائه، وخيله المطلة عليه في صباحه ومسائه، ويضم عن بلاده أطراف جنوده وعساكره وأتباعهم، ويؤمنه من بطائهم وسراعهم، ويمنع عن بلاد هذا الملك المتاخمة لبلاده، والمزاحمة لدوافق أمداده، ويرد عنها وعما جاورها في بقية ما في مملكته، وهي كذا وكذا (وتذكر) أيدي النهب، ويكف الغارات ويمنع الأذى، ويرد من نزح من رعايا هذا الملك إليه- ما لم يدخل في دين الإسلام وشهد الشهادتين ويقر بالكلمتين المعتادتين- ويؤمن جلابة هذا الملك وتجاره والمترددين من بلاده إلى بلاد الإسلام في عوارض الأشغال، ولا يحصل عليهم ضرر في نفس ولا مال؛ وإن أخذت المتجرمة لهم مالا أو قتلت منهم أحدا أمر بإنصافهم من ذلك المتجرم، وأن يؤخذ بحقهم من ذلك المجرم. وعليه مثل ذلك فيمن يدخل إليه من بلاد الإسلام، وأن لا يفسح لنفسه ولا لأحد من جميع أهل بلاده في إيواء مسلم متنصر، ولا يرخص لذي عمى منهم ولا متبصر. وإنه كلما وردت عليه كتب مولانا السلطان فلان، أو كتب نوابه، أو أحد من المتعلقين بأسبابه، يسارع إلى امتثاله والعمل به في وقته الحاضر ولا يؤخره ولا يمهله، ولا يطرحه ولا يهمله.
وعليه أن لا يكون عونا للكفار، على بلاد الإسلام وإن دنت به أو بعدت الدار، ولا يواطئ على مولانا السلطان فلان أعداءه وأولهم التتار، وأن يلتزم ما يلزمه من المسكة بالمسكنة، ويفعل ما تسكت عنه به الأسنة وما أشبهها من الألسنة؛ وعليه أن ينهي ما يتجدد عنده من أخبار الأعداء ولو كانوا أهل ملته، وينبه على سوء مقاصدهم، ويعرف ما يهم سماعه من أحوال ما هم عليه.
هذه هدنة تم عليها الصلح إلى منتهى الأجل المعين فيه ما استمسك بشروطها، وقام بحقوقها، ووقف عند حدها الملتزم به، وصرف إليها عنان اجتهاده، وبنى عليها قواعد وفائه، وصان من التكدير فيها سرائر صفاته. سأل هو في هذه الهدنة المقررة، وأجابه مولانا السلطان إليها على شروطها المحررة، وشهد به الحضور في المملكتين وتضمنته هذه الهدنة المسطرة. وبالله التوفيق). (ويؤرخ بالعربي والسرياني).
أما المواصفات: فهي ما يقرر بين ملكين على تقرير من الجانبين- كما تقدمت الإشارة إليه. وسبيل الكتابة فيها بعد البسملة:
(هذه هدنة استقرت بين السلطان فلان والسلطان فلان: هادن كل واحد منهما الآخر على الوفاء عليه، وأجل له أجلا ينتهي إليه، لما اقتضته المصلحة الجامعة، وحسمت به مواد الآمال الطامعة. تأكدت بينهما أسبابها، وفتحت بهما أبوابها، وعليهما عهد الله على الوفاء بشرطها والانتهاء إلى أمدها، ومد حبل الموادعة إلى آخر مددها، ضربا لها أجلا أوله ساعة تاريخه وإلى نهاية المدة، وهي مدة كذا (ويذكر نحو ما تقدم)؛ على أن كل واحد منهما يغمد بينه وبين صاحبه سيف الحرب، ويكف ما بينهما من السهام الراشقة، وتعقل الرماح الخطارة، وتقر على مرابطها الخيل المغيرة؛ وبلاد السلطان فلان كذا وكذا، وما في مملكة كل منهما من الثغور والأطراف والمواني والرساتيق والجهات والأعمال: برا وبحرا، وسهلا وجبلا، نائيا ودانيا، ومن فيها: من ملكها المسمى وبنيه، وأهله وأمواله، وجنده وعساكره، وخاص ما يتعلق به وسائر رعاياه على اختلاف أنواعهم، وعلى انفرادهم واجتماعهم، البادي والحاضر، والمقيم والسائر، والتجار والسفارة، وجميع المترددين من سائر الناس أجمعين؛ على أن يكون على فلان كذا، وعلى فلان كذا (ويعين ما يعين من مال أو بلاد أو مساعدة في حرب أو غير ذلك) يقوم بذلك لصاحبه، وينهض من حقه المقرر بواجبه؛ وعليهما الوفاء المؤكد المواثيق، والمحافظة على العهد والتمسك بسببه الوثيق، هدنة صحيحة صريحة، نطقا بها، وتصادقا عليها، وعلى ما تضمنته المواصفة المستوعبة بينهما فيها، وأشهدا الله عليها بمضمونها، وتواثقا على ديونها، وشهد من حضر مقام كل منهما على هذه الهدنة وما تضمنته من المواصفة، وجرت بينهما على حكم المناصفة، رأيا فيها سكون الجماح، وغض طرف الطماح؛ وعلى أن على كل منهما رعاية ما جاوره من البلاد والرعية، وحملهم في قضاياهم على الوجوه الشريعة؛ ومن نزح من إحدى المملكتين إلى الأخرى أعيد، وما أخذ منها باليد الغاصبة استعيد؛ وبهذا ثم الإشهاد، وقريء على المسامع وعلى رءوس الأشهاد).

.رابعا: المفاسخات:

وهي نوعان: فسخ ومفاسخة.
فالفسخ: ما وقع من أحد الجانبين، فيه نقض عهد حصلت المواثقة عليه؛ وقل أن يكون في هذا إلا ما يبعث به على ألسنة الرسل. وقد كتب عمي الصاحب شرف الدين أو محمد عبدالوهاب- رحمه الله- سنة دخول العساكر الإسلامية ملطية سنة أربع عشرة وسبعمائة فسخا على (التكفور) متملك (سيس) كان سببا لأن زاد قطيعته.
والذي أقول فيه: إنه إن كتب فيه، كتب بعد البسملة:
(هذا ما استخار الله تعالى فيه فلان، استخارة تبين له فيها غدر الغادر، وأظهر له بها سر الباطن ما حققه الظاهر؛ فسخ فيها على فلان ما كان بينه وبينه من المهادنة التي كان آخر الوقت الفلاني آخر مدته، وطهر السيوف الذكور فيها من الدماء إلى انقضاء عدته، وذلك حين بدا منه من واجبات النقض، وحل المعاهدة التي كانت يشد بعضها ببعض، وهي كذا وكذا (وتذكر وتعد) مما يوجب كل ذلك إخفار الذمة، ونقض العهود المرعية الحرمة، وهد قواعد الهدنة، وتخلية ما كان قد أمسك من الأعنة. كتب إنذارا، وقدم حذارا؛ وممن يشهد بوجوب هذا الفسخ، ودخول ملة تلك الهدنة في حكم النسخ، ما تشهد به الأيام، ويحكم به عليه النصر المكتتب للإسلام. وكتب هذا الفسخ عن فلان لفلان وقد نبذ إليه عهده، وأنفذ إليه وأنجز وعده، بعد أن صبر مليا على ممالاته، وأقام مدة يداوي مرض وفائه ولا ينحج فيه شيء من مداواته؛ ولينصرن الله من ينصره، ويحذر من بأس مكره من يحذره.
وأمر فلان بأن يقرأ هذا الكتاب على رءوس الأشهاد، لينقل مضمونه إلى البلاد، أنفة من أمر لا يتأدى به الإعلان، وينصب به لهذا الغادر لواء لا يقال إذا يقال: هذه اللواء لغدرة فلان بن فلان.
وأما المفاسخة: فتكون من الجهتين؛ وصورة ما يكتب فيها:
(هذا ما اختاره فلان وفلان من فسخ ما كان بينهما من المهادنة التي هي إلى آخر مدة كذا: اختارا فسخ بنائها، ونسخ أنبائها، ونقض ما أبرم من عقودها، وأكد من عهودها. جرت بينهما على رضى من كل منهما بإيقاد نار الحرب التي كانت أطفئت، وإثارة تلك الثوائر التي كانت كفيت. نبذاه على سواء بينهما، واعتقاد من كل منهما، أن المصلحة في هذا لجهته، وأسقط ما يحمله للآخر من ربقته، ورضي فيه بقضاء السيوف، وإمضاء أمر القدر والقضاء في مساقاة الحوف؛ وقد أشهدا عليهما بذلك الله وخلقه ومن حضر، ومن سمع ونظر؛ وكان ذلك في تاريخ كذا؛ والله الموفق والهادي إلى طريق الحق).

.القسم الخامس: في نطاق كل مملكة وما هو مضاف إليها من المدن والقلاع والرساتيق:

أما نطاق كل مملكة، فسأذكر مملكة الإسلام، وما تجري فيه لكتابها الأقلام؛ وأبتدئ بالقاهرة التي هي اليوم أم الممالك وحاضرة البلاد؛ وهي في وقتنا دار الخلافة وكرسي الملك، ومنبع العلماء ومحط الرحال، وتبعها كل شرق وغرب، وبعد وقرب، خلا الهند: فإنه نائي المكان، بعيد المدى، يقع إلينا من أخباره ما نكبره، ونسمع من حديثه ما لا نألفه.
وكان يحق لنا أن نجعل كل النطق بالقاهرة دائرا، وإنما نفردها بما اشتملت عليه حدود الديار المصرية، ثم ندير بأم كل مملكة نطاقها، ثم إليها مرجع الكل، وإلى بحرها صب تلك الخلج.

.أولا: في ذكر مملكة الديار المصرية:

ومصر يشتمل عليها أربعة حدود:
- فأما الحد القبلي فينتهي من ضفة القلزم حيث عيذاب على بلاد الحداربة، إلى الروم من بلاد النوبة خلف الجنادل التي على مصب النيل، إلى جبال المعدن، إلى صحراء الحبشة.
وأما الحد الشرقي فينتهي إلى بحر القلزم؛ وغالب ما بينه وبين مجرى النيل منقطع رمال ومحاجر وجبال؛ ويسمى ما ساحل البحر في هذا الحد: بر العجم، ثم يتسع من حيث السويس وما أخذ شرقا عن بركة الغرندل التي أغرق الله فيها فرعون فينتهي الحد إلى تيه بني إسرائيل حتى يقع على أطراف الشام.
وأما الحد الشمالي وتسميه أهل مصر: البحري فما بين الزعقة ورفح حيث الشجرتان؛ وما إخال اليوم بقاء الشجرتين، وإنما هما موضع الشجرة التي تعلق فيها العوام الخرق، وتقول هذه مفاتيح الرمل، وهي حيث الكتب المجنبة عن البحر الشامي قريبامن الزعقة. فأما الأشجار التي بالمكان المعروف الآن بالخروبة، ويعرف قديما بالعش- وقد بني بها خان سبيل، وعملت ساقية يجري منها الماء إلى حوض تستسقي من المارة والحلال- فهي وإن عظمت محدثة عن زمان من حدد الأقاليم وليست في موقع ما ذكروه. ثم يأخذ هذا الحد مساحلا مع البحر الشامي.
وأما الحد الغربي فآخره في العمارة معمور الإسكندرية، آخذا على الليونة إلى العميدين، إلى العقبة، وهو آخر حد مصر، ثم يعطف الحد على الواحات مقتبلا على الصعيد حتى يقع على الحد القبلي.